الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
150
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
والتي تشكل بمجموعها ثماني عشرة آية ، تتحدث حول تأريخ عدد من الأنبياء السابقين الذين بعثوا لهداية المشركين عباد الأوثان الذين سماهم القرآن الكريم أصحاب القرية وكيف أنهم نهضوا لمخالفة أولئك الأنبياء ، وتكذيبهم ، وكانت خاتمتهم أن أخذهم العذاب الأليم ، لتكون تنبيها لمشركي مكة من جهة ، وتسلية للرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وفئة المؤمنين القليلة به في ذلك اليوم . على كل حال فإن التأكيد على إيراد هذه القصة في قلب هذه السورة التي تعتبر هي بدورها قلب القرآن الكريم ، بسبب تشابه ظروف تلك القصة مع ظروف المسلمين في ذلك اليوم . أولا تقول الآيات الكريمة : واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون ( 1 ) . " القرية " في الأصل اسم للموضع الذي يجتمع فيه الناس ، وتطلق أحيانا على نفس الناس أيضا ، لذا فمفهومها يتسع حتى يشمل المدن والنواحي ، وأطلقت في لغة العرب وفي القرآن المجيد مرارا على المدن المهمة مثل " مصر " و " مكة " وأمثالهما . لكن ما اسم هذه القرية أو المدينة التي ذكرت في هذه الآية ؟ المشهور بين المفسرين أنها " أنطاكية " إحدى مدن بلاد الشام . وهي إحدى المدن الرومية المشهورة قديما ، كما أنها ضمن منطقة نفوذ تركيا جغرافيا في الحال الحاضر ، وسنتعرض إلى تفصيل الحديث عنها في البحوث الآتية إن شاء الله ، وعلى كل حال فإنه يظهر جيدا من آيات هذه السورة الكريمة أن أهل تلك المدينة كانوا يعبدون الأصنام ، وأن هؤلاء الرسل جاؤوا يدعونهم إلى التوحيد ونبذ الشرك .
--> 1 - يعتقد البعض بأن " أصحاب القرية " مفعول أو للفعل " اضرب " و " مثلا " مفعول ثان مقدم ، والبعض يقول : إنها بدل عن " مثلا " ، ولكن الظاهر رجاحة الاحتمال الأول .